عبد المنعم النمر

29

علم التفسير

أشياء لم يذكرها القرآن فقال لهم : يا معشر المسلمين : تسألون أهل الكتاب ، وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الاخبار بالله ، تقرءونه لم يشب ؟ وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله ، وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا : ( هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا ) أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم . ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم . أي ليأخذه عنكم ، ومفهوم أنهم لم يكونوا يسألونهم عن الصلاة أو تحريم الخمر أو كيفية الحج مثلا ، بل كانوا يسألونهم عن أشياء في القصص وأمثالها ، مما سكت القرآن عنه لعدم الحاجة في العبرة إليه . جريا وراء الفضول العلمي ، وغريزة حب الاستطلاع . فلا يعقل إذن أمام هذا الحديث الصحيح أن ينهى ابن عباس المسلمين عن الأخذ من أهل الكتاب ، وتصديق ما في كتبهم بهذه الصورة ، ثم يسأل هو أهل الكتاب عن أشياء يرجعون في الإجابة عنها إلى كتبهم ومعلوماتهم ، التي عرفوها من هذه الكتب ، بل وخيالاتهم . ولا يغير من الموضوع شيئا أن الذين كان يسألهم ابن عباس قد أسلموا ، إن قلنا إنه كان ينهى المسلمين عن الأخذ من أهل الكتاب الذين لم يسلموا ، لأن المصدر في الحالتين واحد وهو كتبهم . . ولا يعقل أن ينهاهم عن شئ وهو يفعله . اللهم إلا إذا كانت ثقته الكاملة فيهم جعلته يستبعد أن يخبروه بشيء غير واثقين به . وإزاء هذا لا نملك إلا أن نهوى على رأس كل الروايات التي ذكرت في التفسير إلى ابن عباس في هذه الناحية فنطيح بها ، ونبرئ ابن عباس من مسئوليتها ، ونتحمل وزر بقائها في كتب التفسير المتداولة حتى الآن ، تحشو أذهان المتعلمين والقراء بمعلومات واهية ، لا سند لها ، وتخرج لنا جيلا مخرفا من طلاب العلم ، فإن العملة الزائفة تطرد العملة الصحيحة من السوق وتقضى عليها كما يقال . ولا بد لنا مع ذلك من وقفة قصيرة مع صرخة ابن عباس هذه في المسلمين ، ينهاهم عن مساءلة أهل الكتاب والتعلم عليهم بهذه الشدة .